عالمي الروائي
«ما يبقى ليس الحبكات. إنها الأسئلة.»
تتشارك كل رواياتي عالماً مشتركاً: شخصيات في لحظة انعطاف، ذاكرة تُشكّل المصائر، حب يتصادم مع الزمن والمسافة، وأماكن تُلقي بظلالها على أرواح من يسكنها.
01. شخصيات في لحظة الانعطاف
رواياتي نادراً ما تهتم بالوجودات الهادئة. غالباً ما تبدأ في اللحظة التي ينكسر فيها توازن ما.
لقاء غير متوقع، اختفاء، سر طال إخفاؤه، خيانة، منفى، حرب، وأحياناً مجرد مصادفة: يكفي القليل لكي تغيّر حياة اتجاهها.
ما يستأثر باهتمامي ليس ما يحدث للشخصيات فحسب، بل ما تكشفه الأحداث عنها. تُبيّن الظروف تناقضاتهم ومخاوفهم ووفاءاتهم وتخلّيهم، وكذلك قدرتهم على إعادة اختراع أنفسهم.
من هنا يولد التشويق الحقيقي.
02. الذاكرة بوصفها أرضاً داخلية
تحتل الذاكرة مكاناً محورياً في كتابتي. إنها ليست مجرد عودة إلى الماضي. إنها قوة تعمل في الحاضر.
نحن مصنوعون من ذكريات ونسيان وتوارث وصمت وأحياناً جروح لا نعود نعرف حتى كيف نسمّيها. بعض الشخصيات تسعى إلى استرداد جزء منسي من تاريخها؛ وأخرى تحاول التحرر منه.
بين الذاكرة والنسيان غالباً ما يتحدد المصير.
هذا التوتر يخترق رواياتي لأنه يخترق حياتنا.
03. الحب بكل تعقيداته
الحب خيط مشترك آخر في عملي. ليس حباً مُثالياً، بل حباً يواجه الزمن والمسافة والصمت والاختيارات المستحيلة والدروب التي تفرضها الحياة.
أحب استكشاف تلك اللحظات التي تصطدم فيها المشاعر بالواقع؛ حيث يستمر كائنان في الحب دون قدرتهما دائماً على العيش معاً؛ حيث تتحول الروابط دون أن تختفي كلياً.
الحب يصبح عندئذٍ وسيلة للكشف عن الشخصيات، أكثر من كونه موضوعاً روائياً بسيطاً.
04. البحر الأبيض المتوسط، شخصية بحد ذاتها
يعبر البحر الأبيض المتوسط مخيّلتي بشكل شبه طبيعي. يربط القارات والثقافات والألسن والتواريخ. إنه فضاء للتنقل بقدر ما هو فضاء للفراق.
فيه تغادر بلداً وتكتشف آخر. تحمل فيه ذكريات وأحلاماً وأحياناً جروحاً.
في رواياتي، لا يكون ديكوراً مجرداً. يُرافق الشخصيات ويؤثر في خياراتهم ويحمل ذاكرة جماعية تتحاور مع تواريخهم الفردية.
05. التشويق كاشف
أحياناً يُصنَّف عملي ضمن «التشويق النفسي». أفهم هذه القراءة.
لكن التشويق بالنسبة لي ليس هدفاً في حد ذاته. إنه يخدم الكشف عن الكائنات. تحقيق ما، اختفاء ما، تهديد أو غموض ما لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا أضاء الدوافع العميقة للشخصيات.
أُفضّل تشويقاً يكشف على تشويق يُبهر.
06. حدود تتلاشى
يُحبّ الناس تصنيف الكتب: رواية نفسية، تشويق، رواية تاريخية، رواية عاطفية... أفهم هذه الضرورة.
غير أنه حين أكتب، تفقد هذه التصنيفات أهميتها. التاريخ كثيراً ما يلتقي بالحميمي. يتلاقى التشويق مع المشاعر. يتحاور التفكير مع الفعل.
لا أسعى إلى الانتماء لجنس بعينه، بل إلى سرد قصص تتعايش فيها أبعاد متعددة من التجربة الإنسانية.
07. عالم واحد، مداخل متعددة
يمكن اكتشاف كل رواية بشكل مستقل عن الأخريات. أتمسك بهذه الحرية.
ينبغي أن يستطيع القارئ الدخول إلى عالمي من أي كتاب، دون الشعور بأنه يصل في منتصف قصة بدأت.
لكن من يواصل القراءة يكتشف تدريجياً أصداء وتوافقات وشخصيات تعود ومواضيع تتعمق وتساؤلات تكتسب ضوءاً آخر.
رواياتي تتحاور فيما بينها دون أن تفرض أيٌّ منها نفسها على الأخريات.
08. عمل في حركة دائمة
لا أعتبر هذا العالم أرضاً مكتملة. كل كتاب جديد يُضيف صوتاً ونظرة وحقبة أو مشهداً إضافياً.
ما يبقى ليس الحبكات. إنها الأسئلة.
ماذا نفعل بذاكرتنا؟
كيف يقاوم الحب الزمن؟
ما الذي تصبح عليه التزاماتنا حين تتغير الظروف؟
كيف تُشكّل الأماكن من يسكنها؟
حول هذه التساؤلات يستمر البناء، كتاباً بعد كتاب، لعالمي الروائي. هذا العالم، أكثر من تكرار الشخصيات أو الحبكات، هو ما يربط كل رواياتي.
«ما يبقى ليس الحبكات. إنها الأسئلة.»
— رضا لمريني
اقرأ على المدونة
اعثر على هذا المقال في نسخته الكاملة على مدونة رضا لمريني.
اكتشف أيضاً النصوص التأسيسية الأخرى التي تشكّل الرؤية الأدبية والإبداعية لرضا لمريني.