سكنى الأدب
«الأدب لا يسعى للإقناع ولا لإصدار الأحكام... بل إلى الاستكشاف.»
سكنى الأدب، بالنسبة إلي، هي القبول بالعيش المستمر في هذا الفضاء الفسيح حيث تتحاور الحكايات، والأسئلة، والقراء، والعالم الحقيقي دون انقطاع.
01. أدب يستكشف ولا يقرر حقائق ناجزة
لا أعتقد أن مهمة الرواية هي تلقين حقيقة معينة؛ فالحقائق المفروضة تشيخ سريعاً. أما الأعمال الكبرى فتظل تسائلنا طويلاً بعد صدورها، لأنها لا تغلق الأسئلة بل تفتح آفاقها.
هذا هو الأدب الذي يستهويني: أدب لا يسعى للإقناع ولا لإصدار الأحكام، بل إلى الاستكشاف.
إن كل وجود بشري يعج بالتناقضات؛ فنحن قادرون على الشجاعة والضعف، والوفاء والتخلي، والعطاء والأنانية. ولا يمكن اختزال كائن بشري في وجه واحد. وتملك الرواية هذه الحرية الثمينة: احتضان التعقيد الإنساني دون محاولة تبسيطه قسراً.
تثير الرواية شغفي تحديداً لأنها تتيح هذه الحرية: أن تتعايش داخلها حقائق متعددة، ورؤى متمايزة، وتناقضات جمة، دون حصرها في خلاصة وحيدة مقفلة.
02. حق التريث وإبطاء الإيقاع
في عالم غارق في السرعة، وردود الأفعال اللحظية، واليقينيات المتسرعة، يمنح الأدب زمناً مغايراً. إنه يتيح التريث، والشك، والإقامة لبرهة في رحاب الالتباس بدلاً من الهرولة لحسمه فوراً.
ولعل في ذلك تكمن أعظم قواه.
لا تغير الرواية العالم بمفردها؛ لكنها قادرة على تبديل النظرة التي نلقيها على شخص، أو موقف، أو على ذواتنا. إنها تدعونا لنسكن، لبضع ساعات، حياة ليست حياتنا؛ وهذه التجربة الهادئة تبني ضرباً من التعاطف الإنساني نادراً ما تبلغه فنون أخرى بهذا العمق.
03. ما تبقيه الكتب حياً نابضاً
الأدب عندي أيضاً وسيلة لإبقاء ما يهدده الزمن بالمحو حياً متقداً.
فالذكريات الفردية، وحكايات الأسر، وأحداث التاريخ، وحالات الصمت المتوارثة جيلاً بعد جيل، كلها تغذي السرد وتصوغ الكائنات. والكتابة في جوهرها محاولة لفهم ما يظل نابضاً بالحياة في ما حسبناه ولى وانقضى؛ فليست التماساً لملاذ في الماضي، بل إنارة للحاضر.
الأمكنة، والعائلات، والحقب، والصمت، تترك جميعها آثاراً لا تمحى. وتستطيع الرواية احتضانها دون تحويلها لوثائق جافة: إنها تعيد إليها وهج الحضور.
هذه الذاكرة لا تلتفت إلى الماضي لذاته، بل لما يستمر في إنتاجه وإحيائه في الحاضر.
إنني أتحفظ على الروايات التي تدعي تفسير كل شيء؛ فالحياة تأبى التفاسير النهائية، وتظل غير مكتملة، متناقضة، وغامضة أحياناً. والأدب يربح الكثير حين يحترم هذا القسط من المجهول.
04. القارئ يعيد صياغة الكتاب
يتبدل الكتاب ما إن يفارق كاتبه ليلتقي بالقارئ.
يدخله كل قارئ ومعه تاريخه الخاص، وذكرياته، وجراحه، وقناعاته. ولن يقرأ شخصان الرواية ذاتها بالصورة ذاتها أبداً، لأنهما لن يريا فيها الصدى ذاته.
من هذا اللقاء تحديداً يستمد الأدب كامل قوته.
حين يُغلق الكتاب، يبدأ الجوهر في الغالب: تعود جملة للذهن بعد أيام، تحضر شخصية في حديث عابر، أو تضيء لقطة فجأة تجربة واقعية. عندئذ تواصل الرواية مسيرتها الصامتة في وجدان من قرأها.
05. الأدب كحوار سرمدي
لهذا السبب تحديداً لا أنظر إلى الكتاب ككيان معزول.
فحوله تولد اللقاءات، والحوارات، والمقالات، والشهادات، والقراءات المشتركة والتأملات الممتدة. لا يتوقف الأدب عند غلاف الرواية الأخير، بل يمتد في الحوار الخلاق الذي يفتحه.
هذه القناعة هي ما يغذي المبادرات المتعددة التي أطورها حول كتبي؛ وسواء تعلق الأمر بحوارات في مواجهة النص، أو اليوميات الإذاعية، أو مقالات المدونة، أو فضاء ما وراء الروايات، فكلها تنبع من فكرة واحدة: لا يكتمل العمل الإبداعي حقاً إلا حين يعانق القراء ويؤسس للحوار.
سكنى الأدب إذن ليست مجرد كتابة؛ بل هي القبول بالدخول في هذا الحوار المتبادل، والاستماع لقراءات الآخرين، واكتشاف ما رأوه ولم يلتفت إليه الكاتب نفسه، والإقرار بأن الكتاب يواصل كتابة نفسه دائماً في عقول من يقرؤونه.
في العمق، لعل الأدب هو هذا تحديداً: حوار لا ينتهي أبداً. وفي هذا الأفق الحواري الرحب أختار، كتاباً تلو الآخر، أن أسكن الأدب.
«حوار لا ينتهي أبداً.»
— Rida Lamrini
قراءة على المدونة
تابع هذا التأمل الأدبي على المدونة وواصل الحوار حول الأدب.
تغذي هذه الرؤية للأدب نصوصي التأسيسية الأخرى؛ اكتشفها لتستكمل مسار الرحلة.