هل لكتّابنا مكان في الجامعة؟
يستحق الأدب المغربي المعاصر أكثر من مجرد حضور في المكتبات أو معارض الكتب: إنه يستحق أن يغذي تفكير وتكوين الأجيال الصاعدة.
نقل المعرفة، البحث الجامعي، والذاكرة الحية للأدب المغربي المعاصر.
يستحق الأدب المغربي المعاصر أكثر من مجرد حضور في رفوف المكتبات: إنه يستحق أن يغذي تفكير وتكوين الأجيال الصاعدة في مدرجاتنا الجامعية.
ثمة غبطة فريدة تنتاب الكاتب حين يكتشف أن باحثًا جامعيًا قد التفت إلى روايته. ليس فقط لأن عمله يحظى باعتراف وتقدير، بل لأن نظرة نقدية أخرى تأتي لتمد أفق نظرته الخاصة. حينئذٍ يغادر الكتاب يدي مؤلفه ليتحول إلى مادة للتأمل، والحوار، وأحيانًا للبحث المعمق.
وقد أتيحت لي فرصة معايشة هذه التجربة مع أساتذة وطلبة جامعيين. والدراسة التي خص بها الأستاذ عبد الحليم زيتي مؤخرًا روايتي على أبواب النجوم تدعوني إلى معاودة التأمل في هذا المسار. فإلى جانب سعادتي برؤية روايتي موضوعًا للدراسة الأكاديمية، يبدو لي أن سؤالاً جوهريًا يفرض نفسه: أي مكانة نخصصها للكتّاب المغاربة المعاصرين في جامعاتنا؟
أدب يروي ملامح عصرنا
إن الرواية لا تحل محل كتاب التاريخ، ولا تعوض الدراسة السوسيولوجية. فلها منطقتها الخاصة: منطقة التجربة الإنسانية، والعوالم الباطنية، والالتباسات الخفية لروح العصر. ومن خلال السرد الخيالي، تكشف الرواية عن التموجات الرقيقة، والشكوك، والتوترات التي غالبًا ما تفلت من الخطاب الأكاديمي الصرف.
يروي كتّابنا سيرة المغرب في تحولاته، وجراحه، وآماله، وأسئلته المعلقة. وهم يفعلون ذلك بلغات متعددة، وحساسيات وخيالات تشهد على الثراء الباذخ لثقافتنا. فكتبهم ليست مجرد حكايات للتسلية؛ بل هي أيضًا ذاكرة حية تنبض بنبض عصرنا.
بيد أن هذه الذاكرة تقتضي أن تجري في العروق وتُورث للأجيال.
من الإجحاف الادعاء بأن جامعاتنا تجهل الأدب المغربي. فهناك باحثون جادون يدرسون الأعمال، ومجلات متخصصة تحتضن أبحاثهم، ومسالك جامعية تخصص حيزًا للمساقات الأدبية. إنما السؤال الحقيقي هو: كيف نمنح هذه الأبحاث إشعاعًا أوسع، ونقرب الأعمال الروائية المعاصرة بشكل منتظم ومستمر من الطلبة؟
إننا نستمر، وبكل حق، في تدريس كبار المؤلفين الكلاسيكيين والروائع الخالدة في تاريخ الأدب. ولكن هل ينبغي حصر النظر النقدي الجامعي فقط في النصوص التي كرسها توالي العقود؟ إن حيوية الأدب تُقاس أيضًا بقدرته على مخاطبة معاصريه، واستفزاز مشاعرهم، وإيقاد شعلة السجال الفكري.
تستطيع الرواية المعاصرة أن تساعد الطالب على فهم عالمه، ومساءلة يقينياته، واستكشاف زوايا جديدة في التفكير. وأصالتها تنبع غالبًا من نبرتها الخاصة، ومخيلتها المتفردة، وخصوصية شخوصها، أو طريقتها في مقاربة قضايا مألوفة من منظور غير متوقع.
إن دراسة هذه الأعمال لا تعني منحها صك خلود سابقًا لأوانه؛ بل تعني القبول بأن الأدب يواصل تشكله وتخلقه أمام أعيننا في الزمن الحاضر.
عندما يلتقي الباحث بالرواية
في هذا السياق تحديدًا أنظر إلى عمل الأستاذ عبد الحليم زيتي، الباحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. فقد انكبت دراسته المخصصة لرواية على أبواب النجوم على فحص تمثلات المأساة الفردية والعلاقة الانسيابية بين الأسطورة والواقع. وهو ما أتناوله بالتفصيل في مقال مستقل: على أبواب النجوم: الدراسة الجامعية للأستاذ عبد الحليم زيتي.
للمزيد من التعمق: قراءة جامعية في رواية «على أبواب النجوم»
خص الأستاذ عبد الحليم زيتي، الباحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، هذه الرواية بدراسة نقدية بعنوان: «تمثلات المأساة الفردية في رواية على أبواب النجوم لرضا المريني: الانسياب بين الأسطورة والواقع»، منشورة في المجلة العلمية المحكمة المجلة الدولية للباحث (Revue Internationale du Chercheur).
الأستاذ عبد الحليم زيتي — أستاذ باحث، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
للتواصل مع الأستاذ عبد الحليم زيتي حول أبحاثه أو دراسته المخصصة لرواية على أبواب النجوم، يمكنكم مراسلته مباشرة عبر حسابه الشخصي على فيسبوك:
إن ما يثير شغفي في هذا المسار يتجاوز بكثير مجرد الارتياح الشخصي لرؤية روايتي تحظى بتحليل أكاديمي. فالباحث لا يكتفي بسرد وقائع القصة أو ترديد مقاصد المؤلف؛ بل ينفذ إلى هندسة البناء السردي، ويسائل الشخوص، ويفكك الرموز، ويقترح قراءة نقدية تخصه هو وحده.
وكثيرًا ما يحدث أن يكتشف الكاتب روايته الخاصة تحت ضوء جديد غير متوقع. فنحن نكتب بمقاصدنا، وحدوسنا، وأحيانًا دون أن نقيس سائر الأبعاد لما نضعه على ركح السرد. وتستطيع النظرة النقدية الرصينة أن تكشف عن تناصات ودلالات لم نكن نتصورها بتلك الصورة.
وهكذا تمضي الرواية في دربها؛ فلا تظل سجينة رؤية مبدعها وحدها، بل تصبح فضاءً مشتركًا للتأمل والمساءلة.
وتلك، في نظري، إحدى أخصب الثمار التي يجنيها الأدب من لقائه بالبحث الجامعي: فالأول يستكشف تعقيدات الروح الإنسانية عبر السرد، والثاني يعمق آفاق القراءة، ويسائل خيارات الكاتب، ويفتح آفاقًا معرفية رحبة. وحوارهما المشترك يثري التجربتين معًا.
جسور ينبغي تشييدها
كم أود أن تتكرر هذه اللقاءات وتغدو نهجًا دائمًا: أن يتاح للطلبة الاشتغال على روايات مغربية معاصرة، ومحاورة مؤلفيها، ومقارعة تأويلاتهم، واكتشاف إضاءات الباحثين. وأن تخرج الأبحاث المنشورة في المجلات المحكمة لتبلغ جمهورًا أوسع عبر الندوات، والموائد المستديرة، والإصدارات الميسرة للجميع.
ليس من شأن الجامعة، بطبيعة الحال، أن تقوم بالترويج للكتّاب؛ فاستقلاليتها النقدية شرط لا محيد عنه: إذ يجب أن يكون العمل الأدبي قابلاً للنقاش، والمساءلة، وحتى التقييم النقدي الصارم. غير أن هذه الحرية لا تقوض الحوار؛ بل هي التي تمنحه قيمته الحقيقية ونزاهته.
يمتلك الباحثون الأدوات المعرفية لسبر أغوار النصوص؛ ويستطيع الكتّاب تقديم تجربتهم الحية في المخاض الإبداعي؛ بينما ينقل الأساتذة هذه القراءات ويشجعون الطلبة على بناء حسهم النقدي الذاتي. أما الطلبة أنفسهم، فيكتشفون أدبًا يتحدث عن عالم يرثونه اليوم وسيكون عليهم أن يغيروه غدًا.
لا يتعلق الأمر إذن بإقحام سائر الروايات في المقررات الجامعية؛ بل بفسح المجال للأعمال الأكثر خصوبة، أيا كانت لغتها وتاريخ نشرها، لتجد مكانها المستحق في فضاءات البحث، والتدريس، والنقاش الثقافي.
فإن نقل التراث الأدبي لا يقتصر على صيانة مآثر الماضي وحدها؛ بل يعني أيضًا إبراز إبداعات الحاضر، وفهم ما تكشفه عن مجتمعنا، وتمكين الأجيال القادمة من العدة المعرفية لقراءتها بدورهم.
الكتاب لا ينتهي عند صفحته الأخيرة
أتوجه بخالص الشكر والتقدير للأستاذ عبد الحليم زيتي على العمل العلمي الرصين الذي كرسه لرواية على أبواب النجوم. إن دراسته تسعدني ككاتب، لكنها تبهجني بالأخص لما تمثله: إمكانية رؤية عمل إبداعي معاصر يتحول إلى موضوع للبحث الأكاديمي والتفكير المنهجي.
وإني لآمل أن تولي جامعاتنا عناية أكبر للإبداع الأدبي المغربي المعاصر. لا لمضاعفة حفلات التكريم، بل لإشاعة تداول الكتب بين الطلبة، وتحفيز القراءات النقدية الجادة، وتقريب الأدب من وجدان الأجيال الصاعدة.
فالرواية قد تهز الوجدان، أو تثير الدهشة، أو تفاجئ، أو تسلي. لكنها قادرة أيضًا على أن تكون شهادة حية على زمنها، وحقلاً للتحليل، وبابًا مشرعًا على تساؤلات سيواصل الطلبة طرحها على أنفسهم طويلاً بعد طي صفحة الكتاب الأخيرة.
إن اللقاء النقدي بين الأستاذ عبد الحليم زيتي ورواية على أبواب النجوم لا يقدم بمفرده جوابًا لكل هذه القضايا الكبرى؛ لكنه يبرهن، بكل جلاء، عما يمكن أن يثمره الحوار الحي بين الروائي والباحث.
ماذا لو أسهمت الجامعة بفاعلية أكبر في جعل كتّابنا المعاصرين ليس فقط مؤلفين لكتب تُنشر، بل أصواتًا تكتشفها الأجيال الجديدة، وتدرسها، وتحملها معها في مسارها؟